السيد محمد الصدر
146
تاريخ الغيبة الصغرى
فإذا قدمنا للماركسية خاصة وللعالم عامة ، نموذجا آخر من الدين يريد إصلاح العالم ، وينظم علاقات البشر تنظيما عادلا ، ويتجاوب مع العلوم الطبيعية تجاوبا كاملا ، ويشجب الاستغلالات المنحرفة له . وبالخلاصة ، يتجاوب مع آمال البشرية وآلامها في كل عصر لا يختلف تجاهه قوي عن ضعيف أو غني عن فقير أو حاكم عن محكوم ، كلهم تجب تربيتهم ومعاقبتهم على الذنب واستغلال مواهبهم استغلالا صالحا . . . كما عليه الدين الاسلامي بواقعه العادل ، ونصوص واضحة في ذلك ، كما هو مبحوث في مصادره . فما ينبغي أن تقول الماركسية تجاهه ، وكيف يمكن أن يكون ناشئا عن الوجود الاجتماعي الطبقي ، وهو على مثل هذه الصفات . - 8 - إن الفكر الديني يرى العلم الطبيعي بكل أشكاله الصورة الناطقة عن قدرة الخالق وحسن تدبيره وعظمة خلقته . وليس هناك أي تناف بين العلم والدين . وإن أبسط فكرة تدل على ذلك لدى المتدين : هو أنه يرى أن العلوم الطبيعية بما تدل عليه من قوانين وظواهر ، لا يمكن أن تكون صادقة بدون وجود اللّه تعالى . فضلا عن أن الدين الاسلامي حث على تعلم العلوم على مختلف أشكالها ، كما هو غير خاف على من راجع مصادره . إذن فما ادعاه بليخانوف ، تبعا للفكر الماركسي عموما من أن : « الخطوة الأولى للعلم هي إبعاد التفسير الاحيائي - يريد به الديني الإلهي - لحوادث الطبيعة ، وفهمها كظواهر خاضعة لقوانين » « 1 » . لا يمكن أن يكون صحيحا . إذن ، فالعلوم الطبيعية كلها علوم إلهية دينية ، وليس المتدينون بحاجة إلى ما قاله كوفالسون : « وفي زماننا صار الدين أكثر احتراسا وأخذ رجال الدين يصرحون على المكشوف : انهم يطمحون إلى أمر واحد فقط ، هو أن يترك العلم للّه شيئا ما « إلهيا » على الأقل » « 2 » . إن الرجال الفاهمين للدين يعلمون أن كل شيء هو للّه عز وجل ، بما فيه كل ظواهر العلم والطبيعة ، ولا حاجة بهم إلى هذا الاستجداء الدنيء .
--> ( 1 ) فلسفة التاريخ : بليخانوف ص 8 . ( 2 ) المادية التاريخية : كوفالسون ، ص 10 .